ابن قيم الجوزية
240
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
الذين يكتمون ما أنزل اللّه من البينات والهدى وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فلو كان لا يكلم عباده المؤمنين لكانوا في ذلك هم وأعداؤه سواء ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنه لا يكلمهم فائدة أصلا إذ تكليمه لعباده عند الفرعونية والمعطلة مثل أن يقال يؤاكلهم ويشاربهم ونحو ذلك تعالى اللّه عما يقولون وقد أخبر اللّه سبحانه أنه يسلم على أهل الجنة وأن ذلك السلام حقيقة وهو قول من رب رحيم وتقدم تفسير النبي صلى اللّه عليه وسلم لهذه الآية في حديث جابر في الرؤية وأنه يشرف عليهم من فوقهم ويقول سلام عليكم يا أهل الجنة فيرونه عيانا وفي هذا إثبات الرؤية والتكليم والعلو والمعطلة تنكر هذه الأمور الثلاثة وتكفر القائل بها وتقدم حديث أبي هريرة في سوق الجنة وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « ولا يبقى أحد في ذلك المجلس إلا حاضره اللّه محاضرة فيقول يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا » الحديث وتقدم حديث عدي بن حاتم « ما منكم إلا من سيكلمه ربه يوم القيامة » وحديث أبي هريرة في الرؤية وفيه : « يقول الرب تبارك وتعالى للعبد ألم أكرمك واسودك » الحديث وحديث بريدة « ما منكم من أحد إلّا سيخلو به ربه وليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب » الحديث وحديث أنس في يوم المزيد ومخاطبته فيه لأهل الجنة مرارا وبالجملة فتأمل أحاديث الرؤية تجد في أكثرها ذكر التكليم قال البخاري في صحيحه باب كلام الرب تبارك وتعالى مع أهل الجنة وساق فيه عدة أحاديث فأفضل نعيم أهل الجنة رؤية وجهه تبارك وتعالى وتكليمه لهم فإنكار ذلك إنكار لروح الجنة وأعلى نعيمها وأفضله الذي ما طابت لأهلها إلّا به واللّه المستعان . الباب السابع والستون في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد هذا مما يعلم بالاضطرار أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أخبر به قال تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي مقطوع ولا تنافي بين هذا وبين قوله إلا ما شاء ربك واختلف السلف في هذا الاستثناء فقال معمر عن الضحاك هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة يقول سبحانه أنهم خالدون في الجنة ما دامت السماوات والأرض إلا مدة . مكثهم في النار ، « قلت » وهذا يحتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون الإخبار عن الذين سعدوا وقع